ثقافة

معالم عراقية: المدرسة المستنصرية منارة العلم ومشعل المعرفة

بغداد-عراق برس-4 اب/اغسطس: تعدَّ المدرسة المستنصرية التي أنشأت سنة 625 هجرية/ (1227) ميلادية، على يد الخليفة العباسي المستنصر بالله في وسط مدينة بغداد من أقدم الجامعات العربية الإسلامية ومن الآثار العلمية المهمة التي اضطلعت بتدريس الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة وخرّجت الكثير من فطاحل العلماء في مختلف المجالات منذ إنشائها حتى يومنا هذا، وقد تغيَّر اسمها من المدرسة المستنصرية إلى الجامعة المستنصرية التي كانت تستقبل الطلبة من مختلف الأقطار العربية للدراسة  فيها.

شيدت “المستنصرية” على مساحة 4836 متراً مربعاً تطل على شاطئ نهر دجلة بجانب “قصر الخلافة” بالقرب من المدرسة النظامية، إذ تتوسط المدرسة نافورة كبيرة فيها ساعة المستنصرية العجيبة، وتعد شاهداً على تقدم العلم عند المسلمين في تلك الحقبة من الزمن وتعلن أوقات الصلاة على مدار اليوم.

تتألف المدرسة من طابقين شيدت فيهما مائة غرفة بين كبيرة وصغيرة إضافة إلى الأواوين والقاعات.

كانت مكتبة  المدرسة زاخرة بالمجلدات النفيسة والكتب النادرة، التي بلغ تعدادها 450 الفا وتعد مرجعاً للطلاب، كما قصد المكتبة الكثير من العلماء والفقهاء وترددوا عليها وأفادوا من كنوزها العلمية والأدبية نحو قرنين من الزمن، وقد نقل الخليفة نفائس الكتب من مختلف العلوم والمعارف ما يقدر بـ80 ألف مجلد بحسب الصنوف.

ظل التدريس قائما في الجامعة المستنصرية أربعة قرون منذ أن افتتحت سنة (631هـ) حتى سنة (1048هـ)، وان تخلل ذلك فترات انقطاع، وكانت الأولى أثناء الاحتلال المغولي لبغداد سنة (656هـ)، وتوقفت الدراسة فيها قليلاً، ثم عاد إليها النشاط ثانية بعد أن استؤنفت الدراسة في نفس السنة، وظلت قائمة بالمستنصرية بانتظام بعد سقوط بغداد بنحو قرن ونصف من الزمن.

توقفت الدراسة فيها وفي غيرها من مدارس بغداد، بسبب تدمير تيمورلنك لبغداد مرتين الأولى سنة (765هـ) والأخرى في سنة (803هـ)، حيث قضى على مدارس بغداد ونكل بعلمائها وأخذ معه إلى سمرقند كثيراً من الأدباء والمهندسين والمعماريين، كما هجر بغداد عدد كبير من العلماء إلى مصر والشام وغيرها من البلاد الإسلامية، وفقدت المستنصرية في هذه الهجمة الشرسة مكتبتها العامرة، وظلت متوقفة  نحو قرنين من الزمن حتى أفتتحت للدراسة مجدداً عام (998هـ)، ولكنها لم تدم طويلا فعادت وأغلقت أبوابها عام (1048هـ)، ومن ثم فتحت مدرسة الآصفية مكانها، وكانت مدرسة الآصفية من مرافق المدرسة المستنصرية، وجدد عمارتها الوزير داود باشا والي بغداد في عام (1242هـ)، وسميت بالآصفية نسبة إلى داود باشا الملقب بآصف الزمان.

لقد كانت المدرسة مكاناً للعلماء والأدباء فقصدها الطلّاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي آنذاك فكان لها أثر كبير في الثقافة الإسلامية ومثلت مجمعاً لمذاهب المسلمين كافة، يُدّرَس فيها علم الأصول والفروع .. وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلم الحساب والطب وغيرها من العلوم.

وبعد سنة 1940م استطاعت دائرة الآثار تأهيل المدرسة المستنصرية وإعادة صيانتها وتجددت هذه الصيانة في سنة 1960م التي استهدفت  إعادة أكبر قدر من بناية المدرسة إلى حالتها الأصلية، لأن البناية تأثرت بالمياه الجوفية نظرا لوقوعها على ضفاف نهر دجلة بسبب انخفاض مستوى أراضيها، الأمر الذي أدى إلى تعرضها إلى الرطوبة التي أخذت تؤثر في جدرانها وزخارفها، لذلك باشرت دائرة الآثار والتراث بحملة لإعادة صيانة المدرسة وتخطيطها، وشملها التوسع لتصبح مساحتها حوالي 4836 متراً مربعاً كما قامت دائرة الآثار والتراث بتأهيل الصحن المكشوف وهو على شكل مستطيل طوله 62.40 م وعرضه 27.40 م إضافة إلى إعادة صيانة وإكساء بيت الصلاة (مسجد المدرسة).

وتحتوي المدرسة المستنصرية على غرف كثيرة بنيت في طابقين وتحيط بالصحن ويبلغ عدد حجرات الطابق الأول (40) حجرة والثاني (36) حجرة.

وقد راعى البنّاؤون في ذلك العصر حجم ومساحة للغرف إضافة إلى الشرفات الخارجة من هذه الغرف والمطلة على الصحن وأماكن التهوية وكل ذلك يدل على براعة الصناع العاملين في بناء المدرسة.

كما أن المسناة الممتدة على طول شاطئ دجلة المحاذي للمدرسة المستنصرية تدل على بعد نظر المهندسين الذين صمموا بنايات المدرسة لأن تلك المسناة قد استخدموها كطريق أو ممر يسير عليه الناس.انتهى